روابط للدخول

المساء في سوق المربد / قسمة الأعرابي / شعر في وصف البصرة / لولا كمي ما أكل فمي


مصطفى شوقي - عرض لصورة المساء في سوق المربد والنشاطات الليلية التي كانت تقوم فيه. - حضري يستضيف أعرابياً ويطلب منه أن يقسم عدداً من الدجاجات قدمها للغداء، فكانت القسمة الأكبر دائماً من حظ الأعرابي، فكيف ذلك؟ - مقطع من قصيدة للشاعر (عزيز السماوي) يصف فيها مدينة البصرة. - حكاية الأعمش التي أصبحت مثلاً يقول (لولا كمي ما أكل فمي).

طابت أوقاتكم أصدقاءنا المستمعين ومرحباً بكم في حلقتنا الجديدة هذه من برنامج (سوق المربد)، وأهلاً أهلاً وسهلاً بكم.

للمساء في سوق المربد طعم خاص. فبعد تعب النهار وتوقف حركة البيع والشراء يلتفت المرء إلى راحته، وينصرف إلى متعته ولهوه. فتنشط استعدادات من نوع آخر، غايتها توفير كل مستلزمات الأمسية المريحة والناجحة.
فترى نيران المواقد قد ارتفعت والمشاعل قد أوقدت ودلال القهوة قد جهزت، وصبيان المضايف في حركة دائبة. هذا يرش الأرض بالماء تلطيفاً للجو، وذاك يوزع الوسائد فوق البسط والحصران، وآخر يدق حبات البن في الهاون بإيقاعات مرحة.
وسرعان ما يتقاطر الرواد، وتمتلئ مجالس الخطابة أو الشعر بروادها، وحلقات الطرب والسمر بزوارها.

في واحد من المجالس تلك تحلق جمهور كبير حول الحكواتي أو القصّخون الشهير (سعيدان السعداوي بن سعد) الذي اعتلى المنبر وراح يحدث مستمعيه:
"يقال والعهدة على الراوي أن أعرابياً من أهل البادية قدم على رجل من أهل الحضر فأنزله عنده. وكانت عائلة الحضري ستة، هو وزوجته، ولدين اثنين، وبنات اثنين. فقال لامرأته:
إشويلنا دجاجة وقدميها إلنا نتغدى بيها.
- وشلون تكفي دجاجة وإحنا سبعة.
- طبعاً ما تكفينا. بس آني قصدي نضحك على صاحبنا شويه. نشوفه يفتهم، لا.
- يالله.
ولما جلسوا جميعاً للغداء، دفعت الزوجة إلى الضيف الدجاجة وقالت:
إقسم الدجاجة بيناتنا.
فقال البدوي: أنا يوبه، ما أعرف أقسم.
- لا لا لا، أرجوك. الجاجة وحدة، وإحنا سبعة وشلون ما ردت أقسمها، ما قدرت.
- إذا ترضون بقسمتي، يوبه نقسم.
- إي نرضى بقسمتك.
- ليش ما نرضى. نرضى.
فقطع البدوي رأس الدجاجة وناوله للأب وقال: الراس للريس، تفضل.
ثم قطع الجناحين وقال: الجناحات للأولاد، تفضلوا.
ثم قطع الساقين وقال: الرجلين يوبه للبنات، هاشن.
ثم قطع عجز الدجاجة وقال: العجز للعجوز، تفضلي.
- والباقي؟
- الباقي الزور للزاير.
فلما كان من الغد قال الرجل لامرأته:
إشوي اليوم خمس دجاجات، وقدميها قدامه، وقولي له يقسمها بيناتنا.
ولما اجتمعوا على الغداء، قدمت الزوجة الدجاجات الخمس للأعرابي، وقال له:
تفضل، قسمها بيناتنا.
فقال الأعرابي: يوبه، تردوها قسمة زوجي لو فردي؟
- قسمها فردي.
- فردي ، هه؟ خوش. إنتَ ومرتك ودجاجة هاي صارن ثلاثة، تفضل. ولدك اثنين ودجاجة صارن ثلاثة، تفضلوا. وبناتك اثنين ودجاجة هاي هم ثلاثة، تفضلن يوبه. وأنا ودجاجتين هاي هم صرنا ثلاثة.
ولما أخذ الأعرابي دجاجتين، رفع رأسه إليهم ورآهم ينظرون إلى الدجاجتين، فقال:
شنكم ما راضين على قسمة الفردي يوبه.
- لا لا. إقسمها زوجي. نعم إقسمها زوجي.
- إي عيني زوجي. لا فدوة زوجي.
- تردوها زوجي؟
- إي نعم.
- خوش يوبه خوش.
فجمع الأعرابي الدجاجات الخمسة أمامه، وقال:
يوبه إنتَ وولدك اثنين ودجاجة هاي أربعة، زوجي تفضلوا إخذ الدجاجة. والعجوز وبناتها اثنين ودجاجة هاي هم صارن أربعة، تفضلن يوبه. وأنا وثلاث دجاجات هاي أربعة. كلوا هني ومري.

--- فاصل ---

أحيا وأموت على البصرة..
البصرة بيها الزبير
بيها النخل بيها الخير

والبصرة التي تحتضن المربد كانت دائماً وأبداً ثغر العراق الباسم وموطن النخل وألحان المحبة.
البصرة الدافئة بأنهارها العذبة وبساتينها العامرة، بكرم أهلها الطيبين. كانت من أيام أبو الأسود الدؤلي إلى يوم بدر شاكر السياب وإلى يومنا هذا قبلة الشعراء والأدباء وموطن العلماء والفنانين.

والشاعر (عزيز السماوي) إله بيها قصيدة كلش جميلة، نسمع منها هذا المقطع:
البصرة خوخ وعنب
البصرة فَي ورطب
البصرة حمام أبيض على شفوفي لعب
البصرة جورية بوسط قلبي لهب
البصرة شيبي وعِصِّتي البيضة على طول الدرب
البصرة بدوية وعيون وساع
واللون اللي على شفافش عذب
البصرة كوخ وشكاير لف
البصرة زولية وكتب عالرف
ولش لفي الحنين وياش
هاي محيله ريد التف

--- فاصل ---

بالكوخ الحزين قميره أصابيعش
جنون ألوان بالظلمة أصابيعش
جورية وفرح ينشاف أصابيعشي
ياقوتة بصدر مفتوح أصابيعش
حرير وخوف تاخذني أصابيعش
حمامة تهيم بقليبي أصابيعش
لفيني أريد التف
طولي يهيم بشفوفش
حزين بين أصابيعش
دخان وشيكارة لف

--- فاصل ---

في أمسية من أماسي المربد جلس طفيلي غير بعيد عن خيمة ضخمة تقام فيها وليمة، وهو يتحين فرصة للدخول بعد أن منعه الحاجب الواقف على بابها من ذلك. وإذا بطفيلي من أقرانه قد خرج متبختراً، فسأله:
"كأنك كنت بالعزيمة، هه؟"
- لساتني طالع.
- وأكلت بالعافية؟
- شبعت زين، هاهاها، ما لذ وطاب مثل ما يقولون.
- وشلون، شلون دخلت؟
- لولا كمي ما أكل فمي.

(لولا كمي ما أكل فمي) مثل قديم يروى أن أول من قاله الأعمش وهو شخصية شهيرة عاشت بالكوفة في القرن الثاني الهجري. وحكايته تتلخص في أن الأعمش دعي إلى وليمة فحضرها لابساً ثيابه البالية، فرده الحاجب من الباب بعد أن رأى هيئته المزرية.
فرجع الأعمش إلى داره ولبس قميصاً وإزاراً نظيفاً ثم جاء. فلما رآه الحاجب، أذن له فدخل. ولما جاءوا بالمائدة، بسط الأعمش كمه على الزاد وقال: "كل يا كمي فإنما أنت دعيت وليس أنا". ثم قام وخرجولم يأكل من الوليمة.

على صلة

XS
SM
MD
LG