روابط للدخول

معلومات عن مربد البصرة / حكيم العرب قس بن ساعدة / النقطة ونقش الخواتم / أجود الشعر / أمير مجنون / قالوا في الضحك


مصطفى شوقي - كيف كان سوق المربد في مدينة البصرة؟ ومن كان يرتاده؟ وما هي الأنشطة التي كان تقام فيه؟ - نبذة من سيرة حكيم العرب وأعقل من سُمِع به منهم (قس بن ساعدة الأيادي) وعرض لبعض أقواله البليغة. - رجل ينقش الأسماء على الخواتم ويتقاضى أجره بالحرف الواحد، ولكن زبونة تكسب منه حرفاً منقوشاً دون أن يشعر بذلك. - شاعران يتقاضيان عند أحد النحاة ليحكم في جودة شعر كل منهما، لكنه يحكم دون أن يستمع إلى كليهما. - الأمير موسى بن المهدي يعرض نفسه لسخرية مجنون. - أبيات للشاعر (إيليا أبو ماضي) قالها في الضحك.

كان مربد البصرة ومنذ نشأته ملتقى تجارياً وأدبياً متميزاً له شأنه الخاص بين أسواق العرب الأخرى، ذلك أن البصرة ذاتها لم تكن مركزاً تجارياً هاماً وميناءاً عامراً يعج بمختلف الأجناس وحسب، بل وكانت أيضاً قبلة الفقهاء والنحويين والبلاغيين والشعراء.
فإذا انعقدت أيام المربد قصدها الأدباء من كل حدب وصوب، وجاءها الشاعر والقاص والسائح والطفيلي والبائع والشاري والغني والفقير والبدوي وابن المدينة، فيعم السوق النشاط وتدب الحركة في مرافقه، ويختلط الحابل بالنابل كما يقول المثل.
فترى الحاوي يراقص قروده، والنخاس يستعرض جواريه، وعازف الربابة شدوه.
ومن المؤكد أن العرب قبل الإسلام، أو تجارهم على وجه الدقة، دعموا وشجعوا الأنشطة الثقافية والفنية التي تقام على هامش الأسواق بقصد جذب القطاعات المختلفة من الناس إلى السوق، فأرسوا بذلك تقاليد أدبية منذ أيام سوق عكاظ.
فهذا حكيم العرب وأعقل من سُمِع به منهم (قس بن ساعدة الأيادي) يقوم على جمع الأحمر بسوق عكاظ ويلقي خطبته الشهيرة:
"أيها الناس، أيها الناس اجتمعوا واستمعو وعو. كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا."
وإلى آخر خطبته حيث يقول:
"ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون. أرضوا فأقاموا؟ أو تُرِكوا فناموا؟ أقسم لإن كان في الأرض رضا ليكونن بعده سخط."
ثم ينشد شعراً يقول فيه:
"في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يسعى الأصاغر والأكابر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر."

و(قس بن ساعدة) هو أول من كتب من العرب (من فلان إلى فلان)، وأول من استهل القول أو الكتابة بعبارة (أما بعد)، وأول من قال (البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر) أي إن من يتهم غيره عليه أن يقدم الدليل الثابت ضده، بمعنى أن يعزز اتهامه بالبرهان لا بالقول فحسب. وإن على من ينكر التهمة الموجهة له أن يدعم ذلك بالقسم واليمين.
ومنذ أيام (قس بن ساعدة الأيادي) أي منذ أكثر من 1500 عام ومقولته هذه سارية المفعول في كثير من المحاكم والمنازعات كلياً أو جزئياً. لهذا ضربت العرب فيه المثل إذ قالت (أبلغ من قس)، أي أن البلاغة تتمثل في (قس بن ساعدة) ومن تجاوزها يكون قد فتح آفاقاً مضافة للبلاغة.

--- فاصل ---

كان في المربد رجل يتخذ من نقش الأسماء على الخواتم صنعة يتكسب منها، فجاءته ذات يوم امرأة وقالت له: "مرحباً."
- مرحبتين عيوني، مرحبا وألف هلا عيوني، مرحبتين.
- إنتَ لينقش الأسماء عالمحابس.
- إي آني آني، أمر خدمة تفضلي عيوني.
- تنقش اسم أخوي على هالمحبس.
- مو ممنون، من هالعين قبل هذي العين، عيوني.
- وشكد أجرتك؟
- آخذ على كل حرف درهم.
- شدعوة؟ مو هوايه درهم على الحرف؟
- لا مو هوايه عيوني. آني آخذ على كل حرف ستين فلس، بس لخاطر عيونش سويتها درهم عيوني.
- زين، تفضل هاك المحبس.
- شسمه المحروس أخوش؟
- خس.
- شنو؟
- اسمه خس. يعني مثل هذا الخس لياكلوا.
- عاشت الأسامي عيوني.
باشر الرجل بحفر الإسم، ولما أراد أن يضع نقطة حرف الخاء لتصبح الكلمة خس، قالت له:
"لحظة لحظة لحظة من فضلك. أطلب طلب صغير؟"
- إنتِ تأمرين عيوني.
- نقطة الخاء انقشها بأخير حرف السين.
- والنقطة نشيلها من حرف الخاء وننقشها بنهاية حرف السين. مو تدللين عيوني.
ولما نقش النقطة تغير الإسم، ففوجئ الرجل. لكن المرأة أعطته الدرهمين وأخذت الخاتم وانصرفت.
- هذا الإسم مو خس. لك صار حسن. لك يا ناس يا عالم. لك هاي قشمرتني. أويلاه يابه منشن أويلاه، عيوني.
- مع السلامة.

--- فاصل ---

جاء شاعران إلى بعض النحاة فقال أحدهما:
"اسمع شعرنا وأخبرنا بأجودنا."
فسمع النحوي شعر أحدهما وقال له:
"شعره هو أحسن من شعرك."
- لكنك لم تسمع شعره بعد.
- لا يكن أنحس من شعرك قط.

دخل بهلول وعليان المجنون على الأمير موسى بن المهدي، فقال الأمير:
"إيش معنى اسمك عليان المجنون؟"
- وإيش معنى اسمك موسى؟
- خذوه برجله يا حراس واجلدوه.
فالتفت عليان المجنون إلى بهلول وهو يشير بسبابته إلى رأسه:
"كنا اثنين. صرنا ويّه الأمير ثلاثة."

قالوا في الضحك، الضحك كالحديث كلما كان مشتركاً كان ألطف. وقالوا في الأمثال الضحك كالخمر قليله يشرح الصدر وبعضه يطرب.
وقد نظم الشاعر إيليا أبو ماضي قصيدة يقول فيها:
قال السماء كئيبة وتجهما

قلت ابتسم يكفي التجهم في السما
قال الليالي جرعتني علقماً
قلت ابتسم ولئن جرعت العلقما
أتراك تغنم بالتبرم درهماً

أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما
يا صاح لا خطر على شفتيك أن تتثلما والوجه أن يتحطما
فاضحك فإن الشهب تضحك
والدجى متلاطم وكذا نحب الأنجما
قال البشاشة ليس تسعد كائناً
يأتي إلى الدنيا ويذهب مرغما
قلت ابتسم ما دام بينك والردى شبر فإنك بعد لن تبتسما

على صلة

XS
SM
MD
LG