روابط للدخول

الملف الثالث: معالجة المسألة العراقية في المرحلة الحالية


سامي شورش اعتبر محلل سياسي أميركي أن ما يصدر عمن يوصفون بالصقور في إدارة الرئيس بوش من تصريحات متشددة إزاء العراق تدعو إلى الحرب ضده لا تشكل خياراً عملياً لمعالجة المسألة العراقية في المرحلة الحالية. وفيما يلي يعرض (سامي شورش) لما بثته شبكة (إن بي سي) الأميركية، إضافة إلى مقابلة أجراها مع خبير سياسي إيراني مختص بالشؤون الأميركية والعراقية.

ماذا يحمل الموقف المتشدد للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش من العراق والمتمثل بإدراجه ضمن القائمة الثلاثية للدول التي وصفها بمحور الشر؟ هل يؤشر ذلك الى تطور جديد في مواقف الادارة الأميركية إزاء العراق؟ أم أنه لا يتعدى حدود زركشة كلامية؟
شبكة (إن بي سي) التلفزيونية الأميركية نشرت مقالا في هذا الخصوص بقلم المحلل السياسي الأميركي يعقوب وايزبيرغ اعتبر فيه أن وصف العراق بأنه إحدى دول محور الشر الى جانب ايران وكوريا الشمالية لا يؤشر الى أي ملمح جديد في سياسة واشنطن في إتجاه العراق، مرجحاً أن الرئيس بوش لم يتخذ حتى الآن أي قرار في شأن التعامل مع العراق على رغم تصاعد المطالبة بإطاحة نظام الرئيس صدام حسين خارج أروقة البيت الأبيض.
ولتسليط مزيد من الضوء على أفكار وايزبيرغ وطروحاته حول دعوات الصقور في الولايات المتحدة الى توسيع الحرب ضد الارهاب ودعوات الحمائم الى التأني وعدم الإستعجال، تحدثت في سياق هذا العرض مع الخبير السياسي الايراني المختص بالشؤون الأميركية والعراقية أمير طاهري.

--- فاصل ---

يناقش وايزبيرغ المبررات التي يتمسك بها الصقور لشن الحرب ضد العراق، ويشير في هذا السياق الى كينيث بولاك المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون الذي اشتهر في وقته بكونه أحد الحمائم الداعين الى تخفيف الأزمة مع العراق، لكنه تحول الآن الى صقر يدعو الى ضربه.
رأى الكاتب الأميركي أن توسيع نطاق الحرب الجارية ضد الإرهاب في إتجاه العراق أمر غير مقنع، مشيراً الى أن الإدارة الأميركية إتجهت الى إثارة إتهامات بإمتلاك أسلحة الدمار الشامل بعدما أخفقت في العثور على أدلة تشير الى تورط بغداد في الهجمة الارهابية التي استهدفت واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من ايلول الماضي.
في هذا الإطار اشار الكاتب الى مسؤولين معروفين بمواقفهم المتشددة تجاه العراق بينهم ريتشارد بيرل الذي يدعو، بحسب وايزبيرغ، الى تحديد العراق كهدف ثانٍ أو مقبل للحرب ضد الارهاب بعد أفغانستان.
لكن مع هذا يظل السؤال ملحاً: أين يقف الرئيس الأميركي من التصنيف القائل بتوزيع المسؤولين الأميركيين الى صقور وحمائم؟ هل يمكن وصفه بأنه منحاز الى جبهة الداعين الى ضرب العراق على رغم عدم إتخاذه حتى الآن أي قرار في هذا الشأن؟ أم أنه في المحصلة النهائية يفضل التريث والتأني والخيارات السياسية في التعامل مع العراق؟ أمير طاهري يرى أن الإدارة الأميركية متفقة على إطاحة الناظم العراقي الراهن، معتبراً أن الرئيس الأميركي زعيم عملي وقادر على تنفيذ ما يقرره من دون تردد.

أمير طاهري: "تابعت خلال الاشهر الماضية مسألة العراق. في الخريف الماضي كنت في واشنطن والتقيت عدداً من المسؤولين والمثقفين والمحللين السياسيين الأميركيين. وشعرت أن هناك نقاشاً محتدماً في أروقة الإدارة الأميركية حول المسألة العراقية. لكن خلال زيارتي الأخيرة الى العاصمة الأميركية قبل اسبوع، تيقّنت بأن هذا النقاش قد وصل الى نتيجة، ولم يعد هناك صقور وحمائم بين مسؤولي الإدارة الأميركية. إنما الجميع أصبحوا متفقين على ضرورة إطاحة الرئيس العراقي صدام حسين. ما ظل من بقايا نقاش هو كيفية تحقيق هذا الهدف. وزير الخارجية كولن باول يرى أن ذلك ممكن عن طريق وسائل ديبلوماسية وسياسية وضغط عسكري. بينما نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد يعتقدان أن الخيار العسكري هو الخيار العملي الوحيد للتعامل مع القضية العراقية.
أما الرئيس الأميركي فأعتقد بأنه رجل ذو فكر عملي وواقعي. صحيح أنه ليس نظرياً كما كان الحال مع الرئيس السابق بيل كلينتون، لكن الرئيس بوش الذي يملك حق إتخاذ القرار الأخير فإنه رجل عملي ولا يتردد في تنفيذ قراراته بعد إتخاذها."

وايزبيرغ يعتقد أن الحرب الأميركية في أفغانستان ما تزال غير منتهية لأن منظمة القاعدة تحتفظ حتى الآن ببعض تنظيماتها وقواعدها ومقاتليها. كما أن الحرب ذاتها أنهكت القدرة العسكرية الأميركية، ما يستدعي على سبيل المثال، شهوراً عدة لإعادة انتاج كميات كافية من الصواريخ بالغة الدقة.
الى ذلك، ستشعر الإدارة في رأي وايزبيرغ بصعوبة بالغة في تبرير الحرب ضد العراق إذا ما شنتها الآن، بل ستشعر بصعوبة الحصول على دعم داخلي أميركي وخارجي دولي لهذه الحرب.
الى ذلك، يوضح وايزبيرغ أن غياب أدلة كافية تُثبت تورط العراق في أحداث الحادي عشر من ايلول، هو ما يدفع بصقور الإدارة الى الإعتماد على ورقة المفتشين الدوليين والمطالبة بعودتهم. لكن اللافت في هذه الحال، أن الرئيس العراقي المعروف برفضه لعودة المفتشين قد يسحب البساط من تحت أقدام هؤلاء بتراجع فجائي وموافقة غير متوقعة على عودتهم. ورغم أن عودة المفتشين لن تلغي إحتمال إندلاع مواجهات مسلحة بين بغداد والولايات المتحدة نظراً للعراقيل التي ستضعها السلطات العراقية أمام نشاطاتهم، إلا أن الأكيد بحسب وايزبيرغ أن المواجهات، أو الضربات الأميركية المحدودة في هذه الحال لن تأتي إلا خارج جدول التواقيت التي يريدها الصقور.
السؤال هنا هو هل يمكن توقع تبدل مفاجىء في مواقف القيادة العراقية إزاء مسالة المفتشين؟ ثم ماذا عن الموقف الأميركي في حال موافقة بغداد على عودة المفتشين؟ هل يمكن لواشنطن أن تشعر بموقف حرج في طريقة تعاملها مع ملف العراق؟
طاهري يعتقد أن واشنطن مصرة على إطاحة النظام العراقي حتى في حال موافقة بغداد على عودة المفتشين. والسبب في رأيه أن الأميركيين لم يعودوا يثقون بصدام حسين.

أمير طاهري: "أعتقد أن صدام حسين لاعب من نوع غير مألوف. أنا أعرفه منذ عام 1975. الشيء الوحيد الذي يهمّه هو بقاءه في السلطة. في هذه الحالة إذا شعر أن رفضه لعودة المفتشين سيكلفه سلطته فإنه سيتراجع. إن صدام يعتقد أن السياسي يمكنه أن يتراجع ثم يلتجأ الى الغش للتهرب من تراجعه.
في شهر أيار المقبل يعاد طرح الموضوع العراقي في مجلس الأمن. وصدام سيوافق في إعتقادي على عودة المفتشين. لكني لا أعتقد أن موافقته هذه المرة ستنقذه. فهناك ضغوط كبيرة في واشنطن لإطاحته مهما فعل. مع هذا تظل مسألة الموافقة على عودة المفتشين أكثر الخيارات عملية أمامه. إذ يمكن لهذه الموافقة أن تعرقل الحجج الأميركية الداعية الى شن الحرب عليه بضعة أشهر. مع هذا يظل أن الأميركيين لا يثقون به ويؤكدون أنه سيود الى ألاعيبه في حال رفع العقوبات الدولية عنه."

أما في سياق الصعوبات التي تواجه الخيار الحربي للصقور، فإن وايزبيرغ يوافق على قول بولاك إن العقوبات المفروضة على العراق في طريقها الى التفتت. وأن دولاً اشتهرت في السابق بدعمها للعقوبات أصبحت الآن متورطة في تفتيتها عن طريق إحياء تجارتها مع العراق. لكن مع هذا يظل السؤال بالنسبة لوايزبيرغ هو: أيهما الأسهل أو الأكثر واقعية: حشد تحالف دولي للحرب ضد العراق أم حشد دعم دولي لتشديد العقوبات؟
من جهة أخرى، يناقش الكاتب فكرة لدى الصقور مفادها أن صدام حسين الذي أخرج المفتشين من بلاده، في طريقه الى إمتلاك سلاح نووي، وأنه قد لا يتوانى عن إحتلال الكويت ثانية، أو إستخدام ذلك السلاح ضد الولايات المتحدة أو حلفائها. وهذا ما يتطلب بحسب الصقور وضع حد لنظام صدام حسين الحاكم قد إستفحال مخاطره وإمتلاكه قنبلة نووية تؤهله للإنتساب الى النادي النووي العالمي.
اعتبر وايزبيرغ أن هذا المنطق غير واقعي، مشيراً الى أن ما يقال عن قدرات العراق النووية أمر ما يزال فيه كثير من الغموض. فالعائق الأكبر أمام نجاح صدام حسين في تصنيع قنبلة نووية بحسب المختصين، هو إفتقاره الى مواد قابلة للإنشطار.
أما عن إمكان تزوده بالمواد من السوق السوداء، فينقل الكاتب عن العالم النووي العراقي المقيم في أميركا حمزة خضر أن المتاجرين بهذه المواد يتبعون أجهزة استخبارات خارجية ما يقطع الطريق على الرئيس العراقي للحصول عليها من دون معرفة واشنطن.
لكن مع هذا رأى خضر أن بغداد مستمرة في محاولاتها تخصيب اليورانيوم، مشيراً الى معلومات نشرتها أجهزة استخبارات ألمانية مفادها أن العراق لن يتمكن من تصنيع قنبلة نووية إلا بعد ثلاث سنوات. هذا في الوقت الذي قدرت فيه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الفترة بخمس سنوات.

لكن هل يصح القول إن من يوصفون في الإدارة الأميركية بأنهم صقور متشددين في دعوتهم الى إطاحة النظام العراقي يبررون دعوتهم هذه بمسألة إمتلاك بغداد أسلحة نووية؟ طاهري يقول إن الأميركيين مصممون على إطاحته وأن عدم امتلاكه أسلحة نووية لا يغير في الأمر شيئاً.

أمير طاهري: "أعتقد أن القسم الأعظم من مسؤولي الإدارة الأميركية متفقون على ضرورة التخلص من صدام حسين بغض النظر عما إذا إمتلك أو لم يمتلك اسلحة نووية.
في إعتقادي أن صدام لا يملك أسلحة نووية، لكنه يملك قدرات لإستئناف برامجه في هذا الميدان.
الصقور في واشنطن يثيرون هذا الموضوع لأغراض دعائية ولتهيئة الرأي العام الأميركي لقبول اطروحة تغيير النظام في العراق. والرئيس العراقي أصبح الآن اشبه ما يكون بسلوبودان ميلوشيفيتش الرئيس السابق ليوغوسلافيا الذي فقد الأميركيون ثقتهم به. وبقاءه أي بقاء صدام حسين في السلطة أصبح يشكل خطراً أو تهديداً لمجمل السياسات الأميركية في المنطقة."

في ضوء هذه المعطيات، يتساءل وايزبيرغ عما يدفع بالصقور الى المطالبة بضرورة شن حرب فورية ضد العراق؟ معتبراً أن الدافع إذا كان هو محاولات العراق تصنيع قنبلة نووية، فإن لدى واشنطن خيارات أخرى كخيار الضربة الوقائية على طريقة اسرائيل حين شنت غارة جوية محدودة على مفاعل نووي عراقي في مطلع الثمانينات من القرن الماضي.
أخيراً، لا يستبعد الكاتب عنصر المغامرة من حال الإنتظار. لكنه يعتبر أن الإنتظار مع مواصلة مراقبة القدرات النووية العراقية، قد يحمل فوائد أخرى، منها إحتمال وفاة صدام نتيجة عامل السن، أو غيابه جراء محاولة إنقلابية، أو توصله الى قناعة مشابه لقناعة الرئيس الليبي معمر القذافي أن معاداة الولايات المتحدة تظل في جوهرها تكتيكاً انتحارياً.
لكن المحلل السياسي المختص في الشؤون الأميركية والعراقية يرى أن المقارنة غير واردة بين مثالي العراق وليبيا، معتبراً أن استمرار العراق في ظل حكمه الحالي يشكل خطراً على المعادلات السياسية في المنطقة، بينما الرئيس الليبي معمر القذافي لم يكن خطراً كما هو صدام حسين.

أمير طاهري: "أعتقد أن هناك إختلافات كثيرة بين مثالي العراق وليبيا. فالأميركيون لا يحبون القذافي واعتبروه لفترة طويلة بمثابة زعيم معاد. لكن ليبيا دولة صغيرة ولا تأثير لديها على موازنات القوى في المنطقة. أما العراق فإنه دولة كبيرة ومؤثرة ويمكن لها أن تخلق معادلات سياسية مختلفة. لهذا لا يمكن إجراء المقارنة بين ليبيا والعراق."

على صلة

XS
SM
MD
LG