روابط للدخول

الصوفية تعود إلى أفغانستان


محمد ابراهيم في عددها الصادر اليوم الجمعة، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الاميركية تحقيقا مطولا تحت عنوان (بعد حركة طالبان، الصوفية تحقق عودة قوية إلى أفغانستان). محمد ابراهيم يقدم فيما يلي عرضا للتحقيق الذي نشرته نيويورك تايمز.

الحركة الصوفية، وهي طريقة في الإسلام، يتخلى أتباعها عن بعض تأويلات العقيدة، من أجل مزيد من العلاقة الشخصية بالله تعالى، تشهد في أفغانستان عودة إلى الحياة مقدمة وجها جديدا للدين الإسلامي، بعدما سقط نظام حركة طالبان.
وجاء هذا الإحياء للصوفية بعد سنوات عجاف من القمع الذي تعرضت له، إذ اعتقلت طالبان وقتلت العديد من اتباعها وعذبت قادتها في محاولة لاستئصال ما يراه قادة طالبان انحرافا عن الدين الإسلامي.
وقد قاد نهوض الصوفية وأفكارها أمام نظام حكم طالبان الجاهل وسقوطه رغم أنه جعل شرعيته من الدين، قاد العديد من الأفغان لان يصبحوا أكثر تدينا.

--- فاصل ---

ونقلت الصحيفة الأميركية عن، قاري مشتاق احمد، إمام منطقة تاميم أنصار في كابل وفيها مرقد اثنين من اتباع النبي محمد عليه الصلاة والسلام، نقلت عنه قوله إن الإسلام الذي جاء به الطالبانيون مع العمائم واللحى هو إسلام من صنع إنسان.
وأضاف أحمد قائلا: في إسلامنا لا توجد طبقة كهنوتية للحكم، وفي إسلامنا لا مكان للقمع، والناس يأتون إلينا طوعا وبمحض إرادتهم ورغبتهم وليس بالقوة والإكراه.
وبالنسبة للغرب، الذي يعرف الصوفية على أنها دراويش يدورون في حلقات رقص مليئة بالنشوة، يمثل الصوفيون شكلا ممتازا ومعروفا عن الإسلام في العالم الإسلامي. وفي أحوال كثيرة فإن التقاليد الشعبية المتشابكة والممارسات الوثنية من جهة والإخاء عند الصوفيين وتسامحهم ومرونتهم من جهة أخرى أمور عجلت في نشر الإسلام في آسيا وأفريقيا.
واليوم فإن التنوع بات يهاجم الصوفية وأتباعها الذين يمتدون من الباطنيين في السودان الذين يرتدون جلود الأسود في طقوسهم، إلى الراحل آية الله الخميني في إيران، وهو الزاهد التجريدي أو النظري الذي أشيع أنه كتب شعرا صوفيا.

--- فاصل ---

وعلى مدى قرون، كان الصوفيون في أفغانستان اقل اختلافا، حيث انتشرت أربع طبقات أو طرق، وحققت حضورها بين سكان البلاد الثمانية عشر مليونا.
حركة طالبان لم توافق على الزيارات الأسبوعية لمراقد الشيوخ والأئمة، وحرمت رفع أعلام ملونة في المقابر، فضلا عن أنها منعت الاحتفال بالعيد التقليدي للسنة الإيرانية الجديدة.
وعندما استحوذت الحركة على السلطة في أفغانستان فإن طالبان واجهت الصوفيين بنفس الحماسة التبشيرية التي استخدمتها في إجبار الرجال على إطلاق اللحى ومنع البنات من الذهاب إلى المدارس.
وفي غضون أسابيع قليلة من بعد سيطرتهم على كابل، اقتحمت عناصر من الحركة بعضا من طقوس الصوفية التي تعرف باسم مجالس الذكر، وفيها يقوم زوار المساجد بالترتيل والإنشاد وعزف الموسيقى أو يتمايلون بحركات خاصة، كوسيلة لتحقيق حالة النشوة الغامرة التي يعتقدون أنها تجعلهم أقرب إلى الله تعالى.
إلى ذلك، اعتقلت حركة طالبان معظم القادة المعروفين للصوفية فيما كانت إساءة معاملتهم أمرا روتينيا ومنظما.
صحيفة نيويورك تايمز نقلت عن مولوي لطف الله، البالغ من العمر واحدا وثلاثين عاما، والذي قالت إنه أحد زعماء الصوفية، قوله: إنه احتجز ثلاث مرات، وفي إحدى المرات، تعرض نعل قدمه إلى ضرب مبرح منعه من السير لمدة شهر.
ولا زال الرجال يتذكرون اقتحام طالبان للمراسم والاحتفالات وضرب عناصرها للرجال المسنين كي يكونوا عبرة لغيرهم. وفي واحد من الفصول سيئة الصيت، اندفع الطالبانيون إلى حيث كانت تقام إحدى الطقوس التي يستخدم فيها أتباع الصوفية آلات موسيقية كجزء من الشعائر فأخذوا الطبول والأرغن وعلقوها على حيطان مركز للشرطة لعدة أشهر.
وتابع لطف الله، الذي يؤم في كل جمعة جماعة من مائتي مصل خارج كابل، تابع قائلا: ورغم كل ذلك من القمع والعقوبات فإننا لم نقطع عملنا وواصلنا العزف الموسيقي الخاص بنا وأقمنا مراسمنا وطقوسنا.

--- فاصل ---

ويفيد قادة الصوفية اليوم بالتحاق المئات، إن لم يكن الآلاف، من الأتباع الجدد، لكن إحصاءات دقيقة غير متوفرة. كما عاد العديد من المنتمين الذين تركوا الطقوس والشعائر إثر الخوف الذي زرعته في نفوسهم ممارسات طالبان القمعية.
إلى ذلك، والقول للطف الله، فقد أعيد رفع الأعلام الملونة على المراقد والمزارات المقدسة وهي التي منعتها طالبان فيما نظف العمال خمسة عشر مقاما وضريحا كبيرا وعشرات من المقامات الصغيرة في كابل وأماكن أخرى.
وقد بدا النشاط واضحا وجليا في الشعائر المقامة في مرقد عاشقان وعارفان. حيث تجمع الرجال في الأرض الموحلة لأرض المرقد حول منشد كان يؤدي قصائد فارسية لكبار الشعراء الإيرانيين مثل حافظ وغيره. وبصوت واحد مرتفع صاروا يرددون معا: الله، وتكرار القول بحد ذاته ينظر إليه كوسيلة لتحقيق حالة النشوة والبعض كان يتأرجح إلى الأمام وإلى الخلف فيما البعض الآخر كان يحني رأسه إلى الأرض. وقد دمدمت أناشيدهم في الغرفة كالنقر على الطبل، الذي يقطعه صيحات بكاء الآخرين.
وبعد ازدياد سرعة الإيقاع وارتفاع صوت الكلمات وتسارعها، تخفت الأصوات فجأة وينتهي الترتيل والإنشاد. ثم يجلس الرجال مرة أخرى ويستأنفون الاستماع إلى المؤدي. ويعكس الشعر المغنى في المراسم رغبة شديدة في عودة السلام إلى البلاد التي عانت من حروب دامت لأكثر من عقدين فضلا عن انتشار الفقر والجوع.
وجاء في القصيدة:
يا إلهي.. لقد كان لي يوما بيت..كان لي يوما حديقة.. كان لي يوما أصدقاء..
وانظر إلي الآن.. فأنا وحيد مشرد..وغيب الموت أصدقائي.. إننا على بابك بكي.. فخلصنا يا رب من مشكلاتنا..

--- فاصل ---

والصوفيون أخذوا اسمهم من كلمة الصوف العربية في إشارة إلى خشونة الثياب الصوفية التي كان يرتديها الباطنيون كجزء من تنصلهم عن ماديات الحياة. وحتى اليوم، يظهر الصوفيون حبا شديدا للشيوخ والأئمة، فيما العديد منهم أسس طريقته الخاصة.
وتعتبر فرقة القادرية، الأكبر في أفغانستان، وهي فرقة أسسها في العراق الشيخ عبد القادر الكيلاني، الذي قيل إنه زار أفغانستان قبل ألف عام. وروي أن تقواه وصلت إلى حد أسطوري أو خرافي. وقيل إنه ولد في اليوم الأول من شهر رمضان الذي يصوم فيه المسلمون من عند الفجر حتى المغرب ويقال إنه رفض أخذ الحليب من صدر والدته حتى الغروب، وقد كرر الرضيع صيامه كل يوم إلى أن انتهى الشهر.
ومن أئمة الصوفية الآخرين، خوجة سيد معين الدين جشتي، الذي قيل إنه جلب الإسلام شبه القارة الهندية عبر الموسيقى، إذ كان يعزف على آلة موسيقية تعرف بالربابة.
وظلت الآلات الموسيقية، غير المنتشرة في معظم الفرق الصوفية، ظلت متعارفة وشعبية في الفرقة الجشتية التي أخذت اسمها من مؤسسها الخوجة جشتي. ومن الآلات الأخرى التي تستخدمها هذه الطائفة الطبل المزدوج والأرغن وغيرها من آلات تستخدم في مراسم تزينها الشموع.
ونقلت الصحيفة الأميركية عن فجر محمد، المتعصب البالغ من العمر خمسين عاما، أنه قطع الإنشاد منذ أكثر من خمس سنوات أي طوال حكم حركة طالبان. لكنه يغني هذه الأيام حتى الفجر. وقال: كلما بدأت اقتبس من الشعر ينمو الحب في قلبي.
وبالنسبة لمعظم الرجال، فإن الطقوس تعبر عن ممارسات متنوعة تعتمد بالدرجة الأولى على الخبرة الشخصية، ولا يمكن القيام بها إلا مع بقية الأفراد.
ويتم الترحيب كثيرا بالضيوف والقادمين لمتابعة الطقوس وغالبا ما يجد الزائر لافتة عند المدخل كتب عليها: هذا المنزل لا أبواب له، أي أنه مفتوح للجميع.
منتم آخر، يدعى محمد هاشم وعمره أربعون عاما، قال للصحيفة: إن أي شخص يشعر بألم نفسي أو لديه جروح في قلبه بإمكانه المجيء إلينا والاستماع، وعندها سينتهي ألمه وحزنه.

على صلة

XS
SM
MD
LG