روابط للدخول

الملف الثالث: تحليل أمريكي لعملية التفتيش عن الاسلحة في العراق


أكرم أيوب كتب (باتريك كلوسون) من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى مقالاً مفصلاً حول أسلحة الدمار الشامل في العراق. التفاصيل مع (أكرم أيوب).

نشر معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى في سلسلة (policy watch) تحليلا كتبه باتريك كلوسون حول عملية التفتيش عن الاسلحة في العراق بوصفها اختبارا لصدام لا حلا ناجعا لمسألة اسلحة الدمار الشامل. كلوسون قال ان سياسة ادارة الرئيس جورج دبليو بوش نحو العراق، كسابقتها، تركز على التهديد الذي تشكله اسلحة الدمار الشامل بين يدي نظام صدام حسين. ويرى البعض وجوب تأكيد السياسة الاميركية على عودة عمليات التفتيش التي تعلقت منذ 1998، على الرغم من وجود اسباب قوية تدعو للشك في ان تؤدي عمليات التفتيش الى تقليل التهديد الذي تشكله هذه الاسلحة.
وتساءل الكاتب عن دواعي اثارة مسألة التفتيش، ملاحظا ان ذلك يعود الى الاجماع الدولي على أن رفض العراق لعودة المفتشين يمثل خرقا للالتزامات التي تعهد بها وفقا لقرارات مجلس الامن. وحتى الدول الساعية للاستفادة من صداقة صدام، مثل روسيا وفرنسا، أبدت معارضتها لامتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل. ورغم ان تلك الدول لا تتفق مع النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة في هذا الخصوص، الا انها في الاقل تعترف بالمشكلة. واذا كانت تلك الدول غير قادرة على ايجاد حل، فأن الولايات المتحدة ستكون في وضع افضل للحصول على عدم ممانعتها اذا قامت باستخدام أية اجراءات فعالة.
ويرى البعض ان وجود المفتشين تحت ظروف غير متكاملة هي افضل من عدم وجودهم نهائيا - على أساس النظرية القائلة ان المفتشين سيكشفون أية انتهاكات في هذا الشأن. وعلى أية حال، فالخطر الحقيقي يكمن في ان يؤدي هذا الى شعور كاذب بالامان من دون ان يقود الى الحصول على معلومات مفيدة حول برامج التسلح العراقي. وكانت هذه هي حال التجربة التي مرت بها ا لوكالة الدولية للطاقة الذرية التي منيت بفشل تام في كشف برنامج الاسلحة النووية العراقي الذي تكلف مليارات الدولارات. وكان هذا الامر معروفا لهانس بليكس الذي كان حينذاك مديرا للوكالة، وهو الان يرأس لجنة الرقابة والتحقق والتفتيش التابعة للامم المتحدة (انموفيك) التي خلفت اللجنة الخاصة (اونسكوم) التي لم تقدر على البدء في عمليات التفتيش في العراق.

كلوسون أضاف ان الخطر وراء تجديد عمليات التفتيش يكمن في قيام حلفاء صدام بالضغط على الولايات المتحدة للموافقة على نظام تفتيش غير فعال، على اساس ان الاجراءات المخففة ستضمن موافقة صدام على قيام المفتشين بعملهم. لكن هذا الرأي يقلب المسألة: فالقضية هي كيفية ضمان عدم امتلاك العراق لاسلحة دمار شامل، وليست كيفية تأمين موافقة صدام على إجراءات التفتيش.

وتناول كلوسون الرأي القائل ان صدام قد يوافق على عمليات التفتيش باعتبارها توفر ضوءا في نهاية النفق – أي التعهد برفع العقوبات في حالة إقرار فرق التفتيش بخلو العراق من اسلحة الدمار الشامل. وقد وضعت هذه النظرية موضع الاختبار في كانون الاول من عام 1999 بصدور قرار مجلس الامن 1284 الذي اشار الى تعليق العقوبات لمدة 120 يوما بعد إقرار فرق التفتيش بتعاون العراق. ورغم هذا العرض، رفض صدام عودة المفتشين فهو يرى ان العقوبات تتآكل. لهذا فأن قرار مجلس الامن 1382 الصادر في تشرين الثاني هذا العام اعلن عزم المجلس على استبدال العقوبات الحالية بقائمة جديدة مخففة تمنع العراق من استيراد المواد ذات الاستخدام المزدوج، والمواد التي تصلح للاغراض العسكرية.

ويرى كلوسون ان الولايات المتحدة لديها كل الاسباب التي تدفعها للتشكيك التام بعمليات التفتيش. فقد اظهرت احداث ما بعد الحادي عشر من ايلول ان التشكيك كان يجب ان يترافق مع اعلى درجات الوعي بالمخاطر التي تواجه الولايات المتحدة من اسلحة الدمار الشامل. وفي جو الاحتراس من الانثراكس، لم يعد مقبولا الوثوق بأن العراق لا يمتلك كميات كبيرة من تلك الاسلحة كما يزعم المفتش السابق سكوت ريتر، وذلك لان الاميركيين اكتشفوا ان ما يقل عن كوب من الانثراكس لقادر على إرباك حياة الملايين من البشر، والتسبب في خسارة الملايين من الدولارات كأضرار، وفي خسارة الارواح ايضا.
ويمضي كلوسون في تحليله الى القول ان التشكيك بفاعلية التفتيش، يجب ان يدفع الولايات المتحدة الى عكس الانحدار الذي اصاب سياستها في السنوات الاخيرة، والاصرار على قيام العراق بتقديم دلائل مقنعة بأنه خال من اسلحة الدمار الشامل. وهذا المطلب يتجسد في قرار وقف اطلاق النار الاصلي 687 والذي يبقى من الناحية النظرية مقياسا لاذعان العراق، اما من الناحية العملية فأن المجتمع الدولي لم يبد اصرارا على تنفيذ ذلك المقياس.
وأشار الكاتب الى ان اهتمام الولايات المتحدة بنزع اسلحة العراق يدعوها الى الاخذ بعين الاعتبار منح صدام اسبابا اكثر للتعاون، وهذا يعني اعطاؤه جزرة اكبر في حالة الموافقة، وتهديده بعصا أغلظ في حالة الرفض. والجزرة تعني استجابة الولايات المتحدة بعرض واضح وجديد يقوم على سياسة الردع والاحتواء، أي التعايش مع النظام البغيض لصدام طالما يبتعد عن اللجوء الى العدوان الخارجي. اما العصا فتعني استجابة الولايات المتحدة بالتخلي عن اتفاق وقف اطلاق النار لعام 1991 بسبب عدم تنفيذ العراق لبند رئيس فيه.

وقال كلوسون انه بمعزل عن القضايا الدبلوماسية، يتوجب ان يكون الموقف الاميركي قائما على تنفيذ عمليات التفتيش لا على ما يوافق عليه صدام او ما ينال الدعم في مجلس الامن. وان المبدأ الاساسي هو ان الالتزام يقع على صدام لاثبات عدم امتلاكه لاسلحة الدمار الشامل وليس على المفتشين لاثبات قيامه بذلك.
وقال كلوسون ان متطلبات الحد الادنى للتفتيش تتضمن قيام صدام بالكشف الكامل والنهائي لمرافق البحث والتطوير والدعم والتصنيع ذات العلاقة بأسلحة الدمار الشامل - بناءا على ما ورد في القرار 687، وان المفتشين يعتمد عليهم في مراقبة ما يعلنه العراق، ولا يتوقع منهم كشف تجاوزات العراق في هذا الخصوص. لذا فأن التفتيش يجب ان لا يبدأ الا حين يقرر الخبراء ان العراق قدم ذلك الكشف المقنع.
كلوسون اضاف ان العراق يجب ان يوفر للمفتشين الوصول المباشر غير المشروط وغير المقيد الى المواقع والمرافق والمعدات والوثائق ووسائط النقل التي يرومون الوصول اليها، فضلا عن المسؤولين والافراد ذوي العلاقة. ورأى كلوسون ان قرارات مجلس الامن تجعل جميع أرض العراق عرضة للتفتيش.
وختم كلوسون تحليله بالقول ان آفاق قبول صدام بهذه الاجراءات تبدو ضعيفة لافتا الى وجوب رفض القبول الجزئي او تقديم التعهدات من دون التنفيذ السريع، ومشيرا الى احتمال قيام البعض في مجلس الامن باتهام الولايات المتحدة بالميل للحرب. واضاف كلوسون انه ما دامت واشنطن اصبحت حساسة تجاه مخاطر اسلحة الدمار الشامل، وامكانية حدوث هجمات كارثية مفاجئة عليها، فأن اهتمامها الرئيس يجب ان يعود الى المبدأ الاصلي المنصوص عليه في اتفاق وقف اطلاق النار، وهذا يعني قيام صدام بإثبات عدم امتلاكه لاسلحة الدمار الشامل. ويمكن للولايات المتحدة، عن طريق الدبلوماسية الذكية، ان تكون قادرة على الحصول على موافقة الدول الاوربية بأنها عازمة على ضمان خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل بشكل أو بآخر.

على صلة

XS
SM
MD
LG