روابط للدخول

إباء احمد الصافي النجفي


كان المرحوم احمد الصافي النجفي من ارق الشعراء العراقيين واكثرهم حساسية وانفة ورفعة. كان حقا اسما على مسمى، صافيا في خلقه وابائه وشعره. عاش عيشة الزاهدين وقضى حياته في الفقر والعوز. وكلما حاول احد ان يمد اليه يدا ابا واستكبر.

حاول المسؤولون في تلك الأيام، ايام الخير التي كان يعتز فيها العراق بالأباة من الأدباء والمفكرين، حاولوا تيسير اموره بتخصيص راتب له فرفض ذلك. وكان مما قال في هذا الصدد:

ليس مالي فضة او ذهبا
مالي الفكر الذي عز نظيرا

مالي الخير الذي اعمله
مالي السعي الذي يرضي الضميرا

اعشق الزهد صريحا فكرتي
اعشق الكوخ ولا اهوى القصورا
ثم لاحظوا انه كان يؤثر الحياة في لبنان وسورية لأسباب صحية ونفسية. فعمدوا الى تعيينه موظفا دبلوماسيا في السفارة العراقية في دمشق. ادرك الشاعر ان ذلك كان تعيينا صوريا من باب الألتفاف على ابائه وعزة نفسه. وعندئذ رفض ذلك التعيين.
التقى به الأستاذ عبد الرزاق الهلالي، الأديب والتربوي الذي تولى عدة مناصب تربوية في وزارة المعارف. وكان صديقا معجبا بالصافي النجفي فسأله عن سبب رفضه ذلك المنصب، فأجابه قائلا: شلون ترضى يا استاذ آخذ راتب من الدولة ولا اقوم بأي عمل في مقابيله؟" ثم شرح له الأمر كمسؤول في الدولة بأن انتاجه الشعري والأدبي بحد ذاته يعتبر خدمة للعراق يستحق عليها المكافئات الشهرية. ولكن الصافي النجفي لم يقتنع. ولم يشأ ان يقبض راتبا بدون مقابل.
وعندئذ ذكر له عبد الرزاق الهلالي المهرجانات الشعرية التي كانت تقام في بغداد فدعاه اليها. هنا ايضا كان جوابه بالرفض. ثم شرح سبب رفضه فقال ان على الشاعر الذي يحضر هذه المهرجانات ان ينشد قصيدة في مدح صاحب الدعوة. ولما كان مصرا على عدم مدح أي شخصية، رسمية او غير رسمية، فسيكون ذلك محرجا له ولهم. وبالأضافة لهذا فقد كان يتضايق من الجلوس في مكان واحد وسماع كل هذا الهراء الذي يلقى في مثل هذه المهرجانات. فلماذا يفرض على نفسه كل هذا العذاب؟ وكان ذلك مما عبر عنه في قصيدة قال فيها:

افر من النوادي زاخرات

بألوان المجاملة الوضيعة

وآوي للحقول طليق نفس

فلست مجاملا الا الطبيعة
يعتبر اهم عمل ادبي قام به احمد الصافي النجفي ترجمته لرباعيات عمر الخيام التي اعتبرها الكثير من النقاد والمؤرخين احسن ترجمة للخيام. فلم يكن بين شعراء العرب من اتقن اللغتين العربية والفارسية، شعرا ونثرا كأحمد الصافي النجفي، مما يؤهله بدون شك للقيام بهذا العمل خير قيام. صدرت الطبعة الأولى من فتلاقفتها ايدي المثقفين في سائر الأقطار العربية. وكان بأمكان الصافي النجفي في الواقع ان يعيش عليها وعلى حقوقها. ولكنه ادار ظهره اليها ورفض حتى اصدار طبعة جديدة للرباعيات. وعندما سألوه قال ان قيامه بترجمة الرباعيات كان اكبر غلطة ارتكبها في حياته. فقد اعتقد الشاعر بأنها ساهمت في افساد اخلاق الشباب بأثارة العواطف في نفوسهم. فبينما كتب عمر الخيام اشعاره في اطار الصوفية والزهد والحب الصافي، تعامل معها الجمهور كقصائد غرامية تحث على الهوى والشبق. لاحظ الشاعر ان الكثير من تلك القصائد قد وقعت في ايدي المطربين والمطربات الذين راحوا يغنونها في الملاهي والمقاهي والنوادي الليلية. قال " يا للعار ! يا للعار!." ثم عقد العزم على عدم اصدار أي طبعة ثانية للمجموعة.
وهكذا حرم الشاعر النجفي نفسه حتى من جني ثمار جهوده المضنية. كان شاعرا يمثل جيلا من كبار النفوس. وكانوا وكان معهم الخير في ايام خير... ايام الخير اللي راحت ويا اهلها، ئي نعم، اهل الخير.

على صلة

XS
SM
MD
LG