روابط للدخول

الكرم العراقي والضيافة الصوتية


في أيام سابقة كان القلة من الناس يمتلكون جهاز الراديو الذي كان محط أنظار الكثيرين. وبذلك ظهر نمط جديد من الكرم العربي وهو السماح بالاستماع إلى المحطات الإذاعية التي يلتقطها الراديو لمن لا يملكونه.

تروى حكايات كثيرة عن الكرم العراقي والكرم العربي بصورة عامة. المألوف في الكرم ان يأتي بصورة الولائم السخية والهدايا الثمينة من طعام او كساء او أي مادة ملموسة، ساعات، كاميرات، حلي ذهبية او فضية ونحو ذلك. ولكن في الثلاثينات والأربعينات ظهرت اشكال جديدة من الكرم، اشياء مجردة لا تلمس باليد. لا تستطيع ان تأكلها ولا تشربها ولا تلبسها ولا تبيعها، انها مجرد اصوات. إي نعم، هدايا صوتية.

لم تكن في البلاد العربية أي محطات اذاعية في اوائل الثلاثينات. وبالتالي لم تكن هناك أي حاجة لاستيراد الراديوات. بيد ان السيد هاشم العلوي الذي كان مديرا عاما للشرطة حصل على جهاز راديو سنة 1933. كان يستمع به الى اذاعة اذربيجان التي كانت تذيع باللغة التركية التي كان هاشم العلوي ملما بها. وهنا تجلى كرمه، فقد دأب على دعوة اصدقائه ممن عرفوا اللغة التركية ليفدوا الى بيته، فيدير لهم الراديو واذا بهم يستمعون الى ما يجري في العالم حسب ما تذيعه تلك المحطة. وفي كثير من الأحيان كانوا يجلسون لإتمام السهرة بالأستماع الى ما تذيعه من الأغاني التركية. وهكذا ولدت في بغداد الضيافة الصوتية، أي ان تستضيف الناس لمجرد السماع.

سمع بذلك السيد رؤوف عبد المجيد محرر اللوائح القانونية في سوق السراي. فبذل جهده حتى حصل على جهاز راديو آخر، فكان ثاني راديو يدخل العاصمة العراقية. وكان السيد رؤوف من اكثر الناس كرما. كان هو الآخر يدعو اصحابه الى بيته ليستمعوا الى الراديو ويفرجهم عليه وعلى الأزرار الثلاثة الموجودة على وجهه. تدير الأول يمينا فيرتفع الصوت و تديره يسارا فينخفض، وتدير الزر الثاني فتنتقل من رجل يتكلم بالتركية الى محطة اخرى تسمع منها امرأة تغني غناء بلغة لا تعرفها. ثم تدير الزر الثالث فينقطع كل شيء ويسكت الراديو. تعود فتديره ثانية فاذا بك تسمع ثانية نفس المرأة تواصل غناءها. فيمسك الضيوف انفاسهم ويرددون ما شاء الله ما شاء الله، سبحان القدار على كل شيء.

بيد ان السيد رؤوف لاحظ ان النساء قد حرمن من هذه المتعة، نظرا لعدم جواز دعوتهن للجلوس مع الرجال. صعب عليه ذلك، فعمد الى حمل الراديو الى سطح البيت. ولما كان العراقيون قد اعتادوا على النوم على السطوح ببيوتهم صيفا، فقد دأب على تشغيل الراديو بأعلى صوته بحيث تستمع اليه سائر العوائل المجاورة وهم على فراشهم يأكلون الرقي ويتعشون بالخيار والجبن. وكان الرجال يتبادلون التعليقات من فوق ستائر البيوت ويصفقون ويبدون آراءهم في الأغاني والأخبار ونحو ذلك ثم ينتهي كل شيء قبيل منتصف الليل فينادي كل منهم بالشكر والتقدير للسيد رؤوف على ضيافته الصوتية. "جزاك الله خيرا ابو منيف، هذا فضلك ما ننسى." يغلق الرجل عندئذ الراديو. ومع ذلك، فلا بد ان نقول الله يساعد من كان متعبا ويريد النوم ولا هذا الضجيج. ولكن في تلك الأيام، ايام الخير، كان المواطن العراقي يحترم وينسجم مع رغبات جيرانه واخوانه.

كان السيد رؤوف عضوا في نادي الأمل، حيث سمع الأعضاء بحكاية هذا الراديو فتوسلوا به ان يعطيهم فرصة للإستماع اليه. ولكنه ابدى كرمه الواسع لا بأعطائهم فرصة واحدة، بل دأب على حمل الراديو الى النادي كل يوم ليستمعوا اليه ثم يعود به الى البيت. واصبح تقاسم الإستماع الى هذا الجهاز بين جيران السيد رؤوف واعضاء نادي الأمل موضع نزاع اخوي ظريف، كل منهم يحاول ان يحجز الراديو في جانبه لمدة اكبر.

والواقع ان دعوة الأهل والأصدقاء للإستماع الى الراديو ظل لعدة سنوات من انواع الكرم والضيافة العراقية التي تميزت بها الحياة الاجتماعية في تلك الأيام من ايام الخير. وراحت وياهم، ويا كل ذولاك الكرام من اهل الخير.

--- أغنية عراقية ---

على صلة

XS
SM
MD
LG